في رحاب واحة تغجيجت بجهة كلميم – واد نون، تشق تجربة فنية طريفة طريقها نحو الاعتراف، تجمع بين أصوات التلاميذ وعمق الهوية الموسيقية الأمازيغية. مجموعة “كورال أزاوان” ليست مجرد فرقة غنائية، بل هي مشروع ثقافي يراهن على الأجيال الصاعدة لحماية الإرث الفني المحلي وضمان توارثه.
نشأة في قلب الواحة
لم يكن ظهور مجموعة “كورال أزاوان” مصادفةً عابرة، بل جاء ثمرةً طبيعية لبيئة غنية بالموروث الثقافي الأمازيغي. فواحة تغجيجت، التي تحتضن هذه التجربة الفنية المتميزة، تمثل فضاءً حياً تتجذر فيه الأغاني والألحان الأصيلة وتتناقلها الأجيال جيلاً بعد جيل. وفي هذا الإطار الثري، وُلدت فكرة تأسيس مجموعة كورالية تعيد لهذا التراث الغنائي بريقه، لكن بأصوات شابة وقلوب متحمسة.
تضم المجموعة في صفوفها تلاميذ من مختلف المراحل التعليمية، ابتداءً من الأسلاك الابتدائية، مروراً بالإعدادية، وصولاً إلى الثانوية، مما يجعلها مساحة تلاقٍ بين أعمار متفاوتة تجمعها رغبة واحدة: الغناء بلغة الأجداد والتعبير عن هوية راسخة.
رهان ثقافي على المستقبل
يتجاوز مشروع “كورال أزاوان” البُعد الترفيهي المحض، ليرتقي إلى مستوى المبادرة الثقافية الهادفة. فالقائمون على هذه المجموعة يؤمنون بأن الحفاظ على الموسيقى الأمازيغية المحلية لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن إشراك الناشئة في هذا المسار، إذ إن الطفل الذي يغني التراث اليوم هو الحارس الأمين له في الغد.
وتعكس تسمية المجموعة ذاتها هذه الرؤية، فكلمة “أزاوان” في اللغة الأمازيغية تحيل مباشرةً إلى الموسيقى والغناء، مما يجعل الاسم بياناً ثقافياً قبل أن يكون مجرد تسمية.
طموح يبحث عن الاستمرارية
على الرغم مما حققته المجموعة من حضور فني لافت في محيطها، فإن تطلعها الأساسي يظل مرتبطاً بضمان الاستمرارية وترسيخ الحضور على المدى البعيد. فالتجارب الثقافية المشابهة كثيراً ما تصطدم بعقبات التمويل وشُح الدعم المؤسسي، مما قد يُعيق مسيرتها أو يُقلص طموحاتها.
ولذلك، يبدو أن الرهان الحقيقي لـ”كورال أزاوان” لا يتمثل فقط في الإبداع الفني والأداء الجيد، بل في بناء منظومة داعمة قادرة على إدامة هذا المشروع وتطويره، بما يكفل له مكانة ثابتة في المشهد الثقافي بجهة كلميم – واد نون وما وراءها.
صوت من الجنوب يستحق الإنصات
تبقى تجربة “كورال أزاوان” نموذجاً يستحق الاهتمام والمواكبة، لأنها تثبت أن الثقافة الأمازيغية لا تزال حيّة ومتجددة، وأن الأجيال الجديدة قادرة على حمل مشعلها بشغف واقتدار. كما تُذكّر بأهمية توفير الإطار الملائم لمثل هذه المبادرات، من دعم مادي ومرافقة تربوية وانفتاح على الفضاءات الثقافية الوطنية والدولية.
فمن قلب الواحة، يرتفع صوت أطفال تغجيجت حاملاً أنغام الهوية وأمل الاستمرارية.
