باتت الهواتف الذكية رفيقاً لا يفارق أصحابها في كل مكان، غير أن الاستخدام المفرط وغير المنضبط لها داخل الفضاءات العامة المشتركة أفرز ظاهرة إزعاج صوتي متصاعدة تمس راحة المواطنين. هذا السلوك الذي بات يلفت الانتباه في وسائل المواصلات والمقاهي وأماكن الانتظار، يطرح تساؤلات جدية حول ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.
ظاهرة تتوسع في صمت
لم يعد الأمر مجرد حالات فردية معزولة، إذ أصبح من المألوف في الفضاءات العامة أن يرتفع صوت مقطع مصور أو مكالمة صوتية دون أدنى اكتراث بمن يجاور الشخص المستخدم. تتجلى هذه الظاهرة بشكل لافت في وسائل النقل العام وصالات الانتظار والمرافق الصحية والتجارية، حيث يجد كثير من المواطنين أنفسهم مضطرين إلى تحمل ضجيج لم يختاروه.
ويكمن جوهر الإشكالية في غياب الوعي بحق الآخرين في الهدوء والراحة، وهو حق لا يقل أهمية عن حق الفرد في استخدام أجهزته الشخصية. فالمساحة المشتركة تستوجب بطبيعتها قدراً من المراعاة والاحترام المتبادل بين مستخدميها.
نماذج متعددة لإزعاج واحد
تتعدد أشكال هذا الإزعاج الصوتي وتتنوع مصادره؛ فمنها رفع صوت مقاطع الفيديو على أعلى مستوياته، ومنها إجراء المكالمات الهاتفية بصوت مرتفع كأن الشخص يخاطب مستمعاً بعيد المسافة. بل إن بعض المستخدمين باتوا يلجؤون إلى خاصية مكبرات الصوت في الأماكن المكتظة، متجاهلين أن وجودهم في فضاء مشترك يستلزم ضبط النفس والتحلي بآداب التعامل العام.
وتزداد حدة هذه الظاهرة في أوقات الذروة حين تكون الأماكن مكتظة بالناس، ليجد كل فرد نفسه في مواجهة مصادر صوتية متعددة في آن واحد، مما يخلق بيئة من التوتر الصامت الذي نادراً ما يُعبَّر عنه بشكل مباشر.
بين الحق الفردي والمسؤولية الجماعية
لا أحد يشكك في حق الأفراد في استعمال هواتفهم الذكية بحرية تامة، إلا أن ممارسة هذا الحق لا ينبغي أن تكون على حساب راحة الآخرين وحقهم في بيئة هادئة. ويبقى الفارق شاسعاً بين الاستخدام المشروع والاستخدام المفرط الذي يتحول إلى مصدر إزعاج جماعي.
وفي غياب قواعد سلوكية واضحة ومُقنَّنة تنظم هذا الجانب في الأماكن العامة، تبقى مسألة احترام الآخرين رهينة بالوعي الشخصي والتربية المدنية لكل فرد. ويرى كثيرون أن التوعية بآداب استخدام الهاتف في الفضاءات المشتركة باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل.
نحو ثقافة استخدام مسؤول
إن تعزيز ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا في الأماكن العامة يمر عبر مسارات متعددة، أبرزها التوعية الأسرية والتعليمية منذ الصغر، وكذلك الإشارات التحذيرية التي تضعها بعض المرافق العامة تذكيراً بضرورة خفض الصوت أو استخدام سماعات الأذن. فالهاتف الذكي أداة للتواصل والترفيه، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى عبء صوتي يُلقى على عاتق الجميع.
والأمر في نهاية المطاف لا يستدعي قوانين صارمة بقدر ما يحتاج إلى اختيار واعٍ يومي يضع فيه كل مستخدم في حسبانه أن الفضاء المشترك ملك للجميع، وأن المسؤولية المدنية تبدأ من احترام الإنسان لمحيطه قبل أن تُفرض عليه من الخارج.
