الرئيسية أخبار رئيسية حرية التعبير والمساءلة القضائية: أي توازن في المنظومة الإعلامية؟

حرية التعبير والمساءلة القضائية: أي توازن في المنظومة الإعلامية؟

تُثير قضية الصحفي علي لمرابط نقاشاً مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين ممارسة حرية التعبير والمساءلة القانونية، في ظل منظومة دستورية تكفل حق النشر والتعبير. غير أن هذه الحرية، شأنها شأن سائر الحقوق، لا تسير بمعزل عن الإطار القانوني الذي يُنظم العلاقة بين الصحفيين ومن يتناولهم القلم بالنشر والتعليق. وفي نهاية المطاف، يبقى القضاء هو الجهة المختصة للفصل في مثل هذه النزاعات.

حق راسخ يكفله الدستور

لا خلاف في أن ممارسة العمل الصحفي والتدوين والتعبير عبر منصات التواصل الاجتماعي تندرج ضمن الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور المغربي، ويعترف بها القانون. وعلي لمرابط، بوصفه صحفياً، يتمتع بهذا الحق كاملاً، سواء تعلق الأمر بالكتابة أو النشر أو إبداء الرأي في مختلف الشؤون العامة.

وقد أرست المنظومة القانونية المغربية جملة من الضمانات التي تصون حرية الصحافة وتحميها من أي تضييق تعسفي، إذ لا يمكن لأي جهة كانت أن تحول دون ممارسة الصحفي لمهنته ضمن الأطر المنظِّمة لها، وهو ما يشكل ركيزة أساسية في دولة تسودها سيادة القانون وتُعلي من شأن الحريات الفردية والجماعية.

مقابل الحرية.. مسؤولية لا تُنكر

بيد أن حرية التعبير، مهما بلغت أهميتها، لا تعني الإطلاق التام بلا قيود. فحين يرى أشخاص أو مؤسسات أن ما يُنشر يمس حقوقهم أو يلحق بهم ضرراً، يحق لهم دستورياً وقانونياً اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالإنصاف. وهذا التوازن بين حرية التعبير والحماية من الأضرار المحتملة يُعدّ من أعقد المعادلات التي تواجهها الأنظمة الديمقراطية في العالم أجمع.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الفصل القضائي بوصفه الضامن الوحيد لتحقيق العدالة بين الطرفين؛ فلا هيمنة لطرف على آخر، ولا إسكات لصوت، بل تحكيم موضوعي يستند إلى النصوص القانونية المعمول بها ومبادئ الإنصاف.

القضاء: الحَكَم الفصل في النزاعات الإعلامية

وفي ضوء ما تقدم، فإن الكلمة الأخيرة في قضية لمرابط، كما في غيرها من القضايا المماثلة، تبقى من اختصاص السلطة القضائية حصراً. فالقضاء المغربي، بمؤسساته المستقلة، هو المخوَّل بالبت في ما إذا كانت المحتويات المنشورة تدخل في نطاق حرية التعبير المشروعة، أم أنها تتخطى الحدود التي يرسمها القانون.

وتكشف هذه القضية، في جوهرها، عن إشكالية أعمق تتعلق بتأطير العمل الرقمي والتدوين في المغرب، في ظل تنامي دور منصات التواصل الاجتماعي بوصفها فضاءات للتعبير العام. وهو ما يستدعي نقاشاً جاداً ومتوازناً حول الإطار القانوني الناظم لهذا الفضاء، بما يصون الحريات ويحمي في الوقت ذاته الأفراد والمؤسسات من أي تجاوز.

مسار طبيعي في دولة القانون

إن اللجوء إلى القضاء في مثل هذه النزاعات ليس دليلاً على تراجع الحريات، بل هو في حد ذاته تجسيد لمبدأ سيادة القانون. فالدولة التي تكفل حرية التعبير هي ذاتها التي توفر آليات قانونية للفصل في النزاعات الناشئة عن ممارسة هذه الحرية، وهو ما يُجسّد المعنى الحقيقي للتوازن الديمقراطي.

وعليه، فإن قضية الصحفي علي لمرابط تسير في مسارها الطبيعي داخل منظومة قضائية مستقلة، وستتكشف نتائجها وفق ما تقتضيه الوقائع والنصوص القانونية، بعيداً عن أي تأثير خارجي أو ضغط من أي جهة كانت.