يطرح المشهد الإعلامي المغربي اليوم تساؤلات جوهرية حول آليات الولوج إلى مهنة الصحافة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع. فمع توسع الفضاء الرقمي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، باتت الحاجة ملحة إلى إطار قانوني واضح يوازن بين ضمان الاحترافية وصون حرية الوصول إلى المهنة، لا سيما أمام الأجيال الصحفية الصاعدة.
الإعلام ركيزة الدولة الديمقراطية
لا خلاف في أن قطاع الإعلام يحتل مكانة محورية في بنية الدولة الديمقراطية الحديثة، إذ يضطلع بمهام جوهرية تتمثل في إيصال المعلومة إلى المواطن، وتنوير الرأي العام بشأن القضايا ذات الصلة بالشأن العام، فضلاً عن دوره في متابعة أداء المؤسسات ومساءلتها. وتستمد الصحافة شرعيتها من هذه المهام بالذات، مما يجعلها حاجة مجتمعية لا ترفاً اتصالياً.
غير أن هذه المكانة لم تمنع القطاع من الاصطدام بتحولات عميقة في السنوات الأخيرة، أفرزتها موجة التحول الرقمي التي أعادت رسم ملامح الإعلام في المغرب وفي العالم على حد سواء.
تحولات رقمية تفرض أسئلة مشروعة
شهد العقد الأخير توسعاً غير مسبوق في المنابر الإعلامية الرقمية، حيث باتت المواقع الإخبارية الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي تضطلع بدور موازٍ للإعلام التقليدي، بل تنافسه في بعض الأحيان من حيث السرعة والانتشار. وقد ولّد هذا التحول تساؤلات جدية حول حدود مهنة الصحافة، ومن يحق له الانتساب إليها، وما الضوابط التي تميز الصحفي المحترف عن غيره ممن يمارسون نشاطاً إعلامياً دون أي تأهيل مهني أو التزام بأخلاقيات المهنة.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مراجعة منظومة الولوج إلى مهنة الصحافة، وضبط شروطها بما يكفل الجودة والمصداقية، دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام الطاقات الشابة الراغبة في الانخراط في هذا القطاع الحيوي.
إصلاح قانوني على المحك
يدور النقاش حالياً حول مدى قدرة الإطار القانوني المنظم لمهنة الصحافة في المغرب على مواكبة المستجدات التي يفرزها الواقع الإعلامي الراهن. فمن جهة، يرى المدافعون عن تشديد شروط الولوج أن الاحترافية ومعايير التكوين تشكل الضمانة الأساسية لصون مصداقية الإعلام وحماية المواطن من تدفق المعلومات غير الموثوقة. ومن جهة أخرى، يتساءل عدد من الباحثين والمهتمين عما إذا كانت اشتراطات صارمة قد تضيق على الكفاءات الشابة المتخرجة من تخصصات مهن الإعلام والتواصل فرص اندماجها المهني في القطاع.
ويرى المتتبعون أن الإصلاح القانوني المأمول ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار جملة من المعطيات، في مقدمتها التطور السريع لأشكال الممارسة الصحفية في العصر الرقمي، وضرورة التمييز الواضح بين الصحفي المحترف والناشط الرقمي أو المدوّن، مع ضمان استمرار تنافسية القطاع وانفتاحه على الكفاءات المؤهلة.
رهانات الجيل الصاعد
تجد الأجيال الصحفية الصاعدة نفسها في قلب هذا النقاش، وهي تحمل شهادات أكاديمية متخصصة في علوم الإعلام والاتصال، وتمتلك قدرات رقمية وتقنية تتجاوز في بعض الأحيان ما كانت المنظومة الإعلامية التقليدية تتطلبه. ويرى هؤلاء أن الاعتراف بكفاءاتهم وضمان ولوجهم العادل إلى المهنة يمثل رهاناً مزدوجاً، يتعلق في آن واحد بمستقبلهم المهني ومستقبل الإعلام المغربي في مجمله.
وفي المحصلة، يبدو أن تحقيق التوازن المنشود بين متطلبات الاحترافية ومتطلبات الانفتاح يستلزم حواراً مفتوحاً وشاملاً يُشرك جميع الفاعلين في المنظومة الإعلامية، من صحفيين ومؤسسات وأكاديميين وطلاب باحثين، بهدف بناء منظومة تنظيمية عصرية ومتوازنة ترفع من مستوى الإعلام المغربي وتصون في الوقت ذاته حق الكفاءات في ولوج المهنة بشروط منصفة وواضحة.
