احتضنت مدينة الصويرة، على هامش الدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم، لقاءً فكرياً وأكاديمياً رفيع المستوى، جمع نخبة من الباحثين والمؤرخين والفنانين حول الثقافة الكناوية وإشعاعها العالمي. وسعى المشاركون إلى تشريح مقومات هذا الموروث الحضاري العريق وفهم أسرار قدرته على التجدد والانتشار، مع الحفاظ على ثوابته وخصوصيته الهوياتية الأصيلة.
لقاء متعدد التخصصات في قلب مدينة الرياح
شهدت مدينة الصويرة يوم السبت تنظيم هذا اللقاء الفكري الذي أدار نقاشاته عدد من المختصين في حقول معرفية متنوعة، إذ جمعت طاولة الحوار باحثين أكاديميين وأنثروبولوجيين ومؤرخين وفنانين وموسيقيين إلى جانب ممارسين فعليين للطقوس والتعبيرات الكناوية. وقد شكّل هذا التنوع في الحضور إضافة نوعية للنقاش، بحيث تكاملت الرؤى النظرية مع التجارب الميدانية في قراءة الظاهرة الكناوية قراءةً شاملة ومعمّقة.
الثقافة الكناوية: جذور ضاربة وامتداد عابر للحدود
تمحورت أشغال اللقاء حول مقاربة الثقافة الكناوية بوصفها منظومة حضارية متكاملة، تتشابك فيها الجذور التاريخية العميقة مع الأبعاد الروحية والفنية والموسيقية. وتوقف المشاركون عند مسألة جوهرية تطرح نفسها بإلحاح في كل نقاش حول التراث اللامادي، وهي كيف يمكن لثقافة أن تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية وتكتسب طابعاً إنسانياً كونياً، مع الحفاظ في الآن ذاته على خصائصها الهوياتية التي تميزها وتمنحها معناها الأصيل.
وأبرز المتحدثون أن الثقافة الكناوية استطاعت أن تنتشر خارج فضاء نشأتها الأصلي، وأن تجد صدىً لدى جماهير وشعوب متعددة في مختلف أرجاء العالم، مما يجعلها نموذجاً لافتاً لقدرة الموروث الشعبي على تجاوز خصوصيته المحلية ليخاطب الوجدان الإنساني المشترك.
دورة سابعة وعشرون في خدمة الحوار الثقافي
ويأتي هذا اللقاء الفكري في سياق الشراكات التي يحرص مهرجان كناوة وموسيقى العالم على نسجها في كل دورة، تعزيزاً لبعده الثقافي والأكاديمي الذي يتجاوز الاحتفاء الفني إلى إنتاج المعرفة والتعمق في الفهم. وقد باتت هذه اللقاءات الفكرية المصاحبة للمهرجان جزءاً أصيلاً من هويته، وركيزة لا تقل أهمية عن حفلاته الموسيقية في ترسيخ مكانته بوصفه حدثاً ثقافياً بامتياز.
وتحتل الصويرة مكانة رمزية في تاريخ كناوة، إذ تُعدّ إحدى الحواضر المغربية الكبرى التي صانت هذا الإرث وأسهمت في نقله عبر الأجيال، قبل أن يتحول مهرجانها السنوي إلى فضاء عالمي للتلاقي والتبادل بين الثقافات والموسيقى من مختلف القارات.
تراث يتجدد دون أن يفقد هويته
وخلص المشاركون في هذا اللقاء إلى أن قدرة الثقافة الكناوية على الاستمرار والتجدد لا تنبع من تخليها عن مكوناتها الجوهرية، بل على العكس من ذلك، إن هذه الجوهرية بالذات هي التي تمنحها قوة الانتشار والتواصل مع الآخر. ويرى المتخصصون أن الموروث الكناوي يمثل نموذجاً يحتذى في كيفية التعامل مع التراث اللامادي، الذي يمكن أن يكون حياً ومتفاعلاً مع الحاضر دون أن يفقد خيط ارتباطه بأصوله.
وفي سياق أشمل، يُذكر أن التراث الكناوي قد نال اعترافاً دولياً رفيعاً، وهو ما يُضفي على مثل هذه النقاشات الأكاديمية قيمة مضافة في إطار الجهود المبذولة لصون هذا الإرث وتوثيقه وتعريف العالم بأبعاده الحضارية العميقة.
