في مشهد يجمع بين الألم والإصرار، لا يزال المدرب الفلسطيني محمد السويركي يواظب على تأطير مجموعة من الشباب الصغار في كرة القدم، وسط ركام يكاد يطغى على كل شيء في قطاع غزة. بعد أن طالت موجة الدمار ما يزيد على تسعين بالمئة من المنشآت الرياضية بالقطاع، تحوّل كل فضاء مفتوح إلى فرصة للتدريب، وكل لحظة على أرض الملعب المؤقت إلى رسالة في التحدي ومواصلة الحياة.
مدرب يأبى الاستسلام
محمد السويركي ليس مدرباً عادياً؛ فهو لاعب سابق في نادي اتحاد الشجاعية وعضو قديم في صفوف المنتخب الفلسطيني لكرة القدم. غير أن مسيرته الكروية لم تُوقفه عند حدود ذكريات الملاعب، بل دفعته إلى تحمّل مسؤولية الأجيال القادمة. فبدلاً من الاستسلام أمام واقع الدمار، استثمر السويركي كل مساحة متاحة بين الأنقاض وحوّلها إلى فضاء رياضي مؤقت، حيث يتدرب الفتيان الصغار بانضباط وعزيمة لا تنسجمان مع الصورة القاتمة المحيطة بهم.
ملعب من الأنقاض
لا أعمدة إنارة ولا عشب اصطناعي ولا مدرجات، بل أرض مكشوفة تتخللها آثار الخراب. ومع ذلك، لا يتوانى هؤلاء الناشئون عن الحضور والتدرب بكل جدية. يعتمد المدرب السويركي في تأطيره على معدات بسيطة جداً، من بينها أقماع التدريب وما يمكن توفيره من أدوات بديلة، في ظل شُح الإمكانيات الذي فرضته الأوضاع المتردية التي يعيشها القطاع منذ اندلاع الأزمة.
تسعون بالمئة من البنية التحتية خارج الخدمة
تكشف المعطيات المتاحة أن ما يناهز تسعين بالمئة من المنشآت الرياضية في قطاع غزة قد تعرّضت للتدمير أو الإتلاف الجزئي، مما جعل ممارسة الرياضة في ظروف مقبولة أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير من الأندية والمدربين والرياضيين. وفي هذا السياق، تكتسب مبادرة السويركي قيمة رمزية بالغة، إذ تعكس إرادة الاستمرار في ممارسة الرياضة بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، حتى في أشد الظروف قسوة.
كرة القدم كرسالة وليس مجرد لعبة
بالنسبة للمدرب السويركي، لا يتعلق الأمر فقط بتعليم الفتيان مهارات التمرير والتسديد، بل بمنحهم شيئاً أعمق من ذلك؛ إنها فرصة للانتزاع من براثن اليأس، وإعادة ربط الأطفال بإيقاع حياة طبيعية يفتقرون إليها. فكرة الملعب المؤقت وسط الأنقاض تحمل في طياتها رسالة واضحة: أن الرياضة قادرة على الصمود حتى في أصعب الأوقات وأكثرها ضراوة.
تبقى هذه الصورة، صورة الشباب وهم يجرون خلف كرة القدم في فضاء يحيط به الدمار من كل جانب، من أكثر الصور تعبيراً عن إرادة الاستمرار التي لا تنطفئ، وعن دور الرياضة بوصفها لغة إنسانية كونية تتجاوز الحواجز وتتحدى أقسى الظروف.
