وسط دمار الحرب وتحت وطأة القصف المتواصل، يرفض شباب فلسطيني التسليم بضياع تراث غزة التاريخي، فيسارعون إلى انتشال القطع الأثرية من بين الركام وصون ما تبقى من ذاكرة حضارية عريقة. مبادرة أطلق عليها أصحابها اسم “حراس التراث”، تعمل من داخل خيمة متواضعة في جنوب القطاع، في وقت تشير التقديرات إلى أن نحو 3500 قطعة متحفية باتت في عداد المفقودات.
خيمة تحتضن ذاكرة أمة
في منطقة المواصي بمحافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، اتخذ فريق من الشباب المتطوعين من خيمة بسيطة مقراً لعملهم اليومي الدؤوب. هؤلاء الشباب لا يحملون أسلحة، بل يحملون أدوات الترميم والتوثيق، وقد جعلوا من أنفسهم حصناً أمام اندثار إرث فلسطيني تراكم عبر آلاف السنين. فمن بين الأنقاض التي خلفتها الحرب الإسرائيلية على القطاع، يستخرجون ما أمكنهم من القطع الأثرية، ويعملون على تنظيفها وترميمها وتسجيلها بعناية، حفاظاً على هوية ثقافية تتعرض للخطر.
3500 قطعة متحفية في مهب الريح
الأرقام وحدها تكشف حجم الكارثة التي تتعرض لها المنظومة التراثية في غزة؛ إذ بلغ عدد القطع المتحفية التي فُقدت أو جُهل مصيرها نحو 3500 قطعة، بعد أن طالت الحرب المتاحف والمواقع الأثرية المنتشرة في أرجاء القطاع. وتضم هذه القطع المفقودة مواد تاريخية وحضارية تمتد جذورها إلى حقب موغلة في القدم، مما يجعل ضياعها خسارة لا تقدر بثمن للإنسانية جمعاء، قبل أن تكون خسارة فلسطينية خالصة.
مسعى لإنقاذ الذاكرة الجماعية
يتجاوز عمل مبادرة “حراس التراث” مجرد التعامل مع الحجارة والأواني الأثرية؛ فهو في جوهره مسعى لصون الهوية وحفظ الذاكرة الجماعية لشعب يجد نفسه في مواجهة تحديات وجودية متعددة الأوجه. ويُعدّ توثيق هذه القطع وتسجيلها خطوة بالغة الأهمية، لا لحمايتها من التلف الفيزيائي فحسب، بل أيضاً لتأمين مرجعية موثوقة يمكن الرجوع إليها مستقبلاً، سواء في ما يتعلق بإعادة بناء المتاحف أو المطالبة باسترداد ما قد يكون تعرض للنهب أو الاختفاء في ظروف الحرب.
الثقافة في مواجهة الحرب
تندرج هذه المبادرة ضمن موجة واسعة من الجهود التطوعية التي تشهدها مناطق النزاعات حول العالم، حيث يتحول الحفاظ على التراث إلى فعل مقاومة رمزية في مواجهة الدمار. وقد أثبت التاريخ مراراً أن ما يصمد من الحضارات في وجه الحروب لا يكون دائماً بفضل الجيوش والتحصينات، بل في أحيان كثيرة بفضل أفراد عاديين قرروا، بكل ما أوتوا من إصرار، ألا يسمحوا للنسيان بأن ينتصر.
وفي خضم أوضاع بالغة الصعوبة، يواصل متطوعو “حراس التراث” مهمتهم يوماً بعد يوم، مسلحين بإيمانهم بأن الذاكرة الحضارية هي الحصن الأمنع للهوية، وأن ما يُنقذونه اليوم من بين الركام، إنما هو رسالة إلى الأجيال القادمة بأن غزة كانت، ولا تزال، حاضرة على خارطة الحضارة الإنسانية.
