وسط مخيمات النزوح في قطاع غزة، وجدت فتيات فلسطينيات في الدبكة الشعبية ملاذاً للتعبير والتعافي، إذ تحولت خيمة متواضعة إلى فضاء للتدريب وتقديم عروض التراث الأصيل. وتأتي هذه المبادرة الفردية استجابةً للحاجة الماسة إلى تخفيف الأعباء النفسية التي خلفتها الحرب والتهجير القسري على هؤلاء الشباب.
خيمة تتحول إلى مسرح للهوية والصمود
في قلب أحد مخيمات النزوح بمنطقة وسط قطاع غزة، نُصبت خيمة واسعة لا تختلف في شكلها الخارجي عن بقية الخيام المحيطة بها، غير أن ما يجري في داخلها يحمل دلالة استثنائية. فقد تحولت هذه الخيمة إلى فضاء للتدريب على الدبكة الفلسطينية، حيث تتجمع فتيات يرتدين الزي التقليدي المطرز ليؤدين عروضاً تنبض بروح التراث الأصيل، وسط محيط تسوده قسوة الظروف المعيشية الصعبة.
وتحيط بهذه الخيمة المخصصة للتدريب والعروض خيام أخرى تؤوي عائلات نازحة، مما يجعل المشهد أكثر تعبيراً عن إرادة التمسك بالهوية الثقافية في أشد الأوقات وطأة.
مبادرة فردية لمواجهة الجراح النفسية
تقف خلف هذه التجربة مبادرة فردية أطلقها أشخاص مدركون للأضرار النفسية العميقة التي تتركها الحرب والنزوح على الأطفال والشباب. وتقوم فكرة المبادرة على استثمار الفن الشعبي وسيلةً للتنفيس عن الضغوط وإعادة بناء الثقة في النفس، من خلال تقديم دروس تدريبية منتظمة في فن الدبكة لهؤلاء الفتيات.
ولا تقتصر أهمية هذه المبادرة على الجانب الترفيهي أو الفني، بل تمتد إلى أبعاد نفسية واجتماعية، إذ تمنح المشاركات شعوراً بالانتماء والتواصل مع الجذور الثقافية، وتوفر لهن إطاراً جماعياً يقطع وحدة النزوح وثقل التجارب المؤلمة التي مررن بها.
الدبكة رمز للهوية الفلسطينية المتجذرة
تُعد الدبكة أحد أبرز أشكال التعبير الفني والثقافي في الموروث الشعبي الفلسطيني، وهي رقصة جماعية تؤدى في المناسبات والاحتفالات، وترمز إلى التضامن والانتماء إلى الأرض والهوية المشتركة. واستحضار هذا الفن في سياق النزوح يحمل رسالة بالغة المعنى، مفادها أن الثقافة والتراث يبقيان حاضرين مهما اشتدت الظروف وتقلبت الأحوال.
وتؤدي الفتيات عروضهن بأزياء فلسطينية تقليدية مطرزة، وهو ما يضفي على هذه التجربة طابعاً رمزياً إضافياً، حيث يتجاوز اللباس وظيفته المادية ليصبح تعبيراً عن التجذر في الهوية حتى في أصعب الأوضاع.
الفن في مواجهة الصدمة
تندرج هذه التجربة ضمن توجه معروف في مجال دعم الصحة النفسية، يقوم على توظيف الفنون والأنشطة الإبداعية أداةً للتعامل مع الصدمات وتجاوز تداعياتها. وقد أثبتت مثل هذه التدخلات نجاعتها في سياقات النزاعات المسلحة والتهجير حول العالم، حيث يجد فيها الأطفال والشباب مساحةً للتعبير والتواصل بعيداً عن ثقل اليومي المرير.
وفي مخيمات غزة، تبقى الإمكانات محدودة والوسائل شحيحة، مما يجعل هذا النوع من المبادرات الفردية أكثر قيمة وأعمق أثراً في نفوس المستفيدات وأسرهن على حد سواء.
