احتضنت العاصمة الرباط أشغال المؤتمر البحثي السنوي الثاني لصندوق النقد الدولي، الذي جمع نخبة من الباحثين والخبراء للتداول في الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في تشكيل ملامح الاقتصادات العالمية. وقد أولى المشاركون اهتماماً بالغاً بأوضاع دول الجنوب ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في سياق يتسم بتصاعد حدة الضغوط الجيو-اقتصادية وتراجع اليقين على الصعيد الدولي.
الذكاء الاصطناعي: رهان استراتيجي لا يحتمل التأخير
انعقد هذا التجمع العلمي الرفيع يوم الاثنين بالرباط، وتمحورت أشغاله حول الأهمية الاستراتيجية المتصاعدة للذكاء الاصطناعي بوصفه محدداً رئيسياً لمسارات النمو الاقتصادي في مختلف دول العالم. وقد أجمع المشاركون على أن هذه التكنولوجيا باتت تمثل عاملاً حاسماً في صياغة السياسات الاقتصادية، ولا سيما في المناطق التي تواجه ضغوطاً مزدوجة على صعيد التنمية والاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وتأتي هذه النقاشات في ظرفية دولية بالغة الحساسية، إذ تجد كثير من الاقتصادات الناشئة نفسها أمام خيارات مصيرية تتعلق بكيفية توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدرتها التنافسية، في الوقت الذي تتراكم فيه التحديات المرتبطة بتقلبات المشهد الجيو-اقتصادي العالمي.
منطقة مينا في مواجهة تحديات التحول الرقمي
خصص المؤتمر حيزاً مهماً لمناقشة أوضاع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)، حيث سلط الباحثون الضوء على جملة من التحديات التي تُعيق استثمار إمكانات الذكاء الاصطناعي على النحو الأمثل. وتبرز في هذا السياق إشكاليات الفجوة الرقمية، ومحدودية البنيات التحتية الملائمة، إضافة إلى الحاجة الماسة لتأهيل الكفاءات البشرية القادرة على استيعاب متطلبات هذا التحول التكنولوجي الكبير.
وقد أشار فريد بلحاج، الباحث الأول بمركز السياسات المشارك في الحدث، إلى الطابع الاستراتيجي الذي يكتسيه الذكاء الاصطناعي بالنسبة لدول الجنوب، مسلطاً الضوء على ضرورة انخراط هذه الدول في مسار التحول الرقمي بجدية واستعداد كافيين، تحسباً للتبعات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على التأخر في هذا المجال.
السياق الاقتصادي الدولي: ضبابية تستدعي الحذر
انعقد المؤتمر في لحظة يشهد فيها الاقتصاد العالمي موجة من عدم اليقين والتجاذبات الجيو-اقتصادية، مما يجعل التوجه نحو الذكاء الاصطناعي رهاناً مزدوجاً؛ فهو من جهة فرصة نادرة لدول الجنوب لتقليص الهوّة مع الاقتصادات المتقدمة، ومن جهة أخرى مصدر لمخاوف جدية تتعلق بمستقبل سوق الشغل وطبيعة الوظائف التي سيعرفها العقد المقبل.
وقد أجمع المشاركون على أن التعامل مع هذا الملف يستلزم مقاربات سياساتية متكاملة، تجمع بين الاستثمار في البنى التحتية الرقمية، وتطوير المنظومة التشريعية والتنظيمية الملائمة، فضلاً عن توطيد التعاون الإقليمي والدولي لمواجهة المخاطر المشتركة.
الرباط: منصة للحوار العلمي الدولي
يُجسد انعقاد هذا المؤتمر بالعاصمة المغربية مكانة الرباط بوصفها فضاءً حيوياً للحوار الأكاديمي والاقتصادي على المستوى الإقليمي، واستقطاباً للنقاشات الاستراتيجية الكبرى المتعلقة بمستقبل التنمية. وتعكس هذه الاستضافة الاهتمام المتزايد بالانخراط في النقاش العالمي حول توجيه ثورة الذكاء الاصطناعي نحو خدمة أهداف التنمية المستدامة والتوازن بين مختلف مناطق العالم.
ويبقى السؤال المحوري الذي أثاره المؤتمر قائماً وملحاً: كيف يمكن لاقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تحوّل الذكاء الاصطناعي من تحدٍّ وجودي إلى رافعة فعلية للتنمية والنمو؟ وهو سؤال يستدعي الانخراط الجدي من صانعي السياسات والباحثين والقطاع الخاص على حد سواء.
