باتت التكنولوجيا الرقمية حاضرة في شتى مناحي الحياة، بما فيها الفضاء التعليمي، مما يفتح آفاقاً جديدة أمام توظيف الذكاء الاصطناعي لصالح المتعلم. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إمكانية دخول هذه التقنية إلى المدرسة، بل في الكيفية التي يمكن بها استثمارها بوعي ومسؤولية، مع الحفاظ على المكانة المحورية للمعلم بوصفه موجهاً ومربياً.
سؤال تربوي في قلب الثورة الرقمية
لم يعد يُطرح اليوم داخل الأوساط التربوية السؤال عن مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على اقتحام الفعل التعليمي، إذ أجابت التحولات المتسارعة عن ذلك بنفسها. وقد انتقل الجدال إلى مستوى أعمق وأكثر جوهرية، يتمحور حول طريقة توظيف هذه التقنيات بما يخدم مصلحة الطفل المتعلم، ويصون في آنٍ واحد المبادئ الأساسية للعملية التعليمية.
وتتقاطع هذه التساؤلات بشكل خاص مع ملف القراءة لدى الأطفال، الذي يظل من أكثر الملفات التربوية حيوية وإلحاحاً، في ظل المنافسة الشرسة التي تفرضها الشاشات والمحتويات الرقمية على وقت الطفل واهتمامه.
الذكاء الاصطناعي جسراً نحو الكتاب
تتصاعد الآراء المنادية بالنظر إلى الذكاء الاصطناعي لا بوصفه منافساً للقراءة، بل أداةً يمكن أن تقرّب الطفل من عالم الكتاب، إذا أُحسن توجيهها وضُبطت شروط استخدامها. فمن خلال تقنيات التكيّف مع مستوى القارئ، وتوليد المحتوى القصصي المناسب لكل مرحلة عمرية، وتقديم تجارب تفاعلية مشوّقة، يغدو بالإمكان تحويل هذه التقنية إلى عامل جذب نحو القراءة بدل أن تكون عاملاً منفّراً منها.
ويرى المهتمون بهذا الشأن أن الذكاء الاصطناعي قادر على رصد صعوبات القراءة لدى كل طفل على حدة، وتقديم تغذية راجعة فورية ودقيقة، بما يوفر للمتعلم مساراً تعليمياً مخصصاً يراعي خصوصياته وإيقاعه الخاص في التعلم.
المعلم في قلب المعادلة
بيد أن هذا الحماس التكنولوجي يقترن في الوقت ذاته بتحذيرات واضحة من الانزلاق نحو المبالغة في الاعتماد على الآلة على حساب الإنسان. فالأستاذ يبقى الركيزة الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها في أي عملية تعليمية ناجحة، ليس فقط بوصفه ناقلاً للمعرفة، بل بوصفه مربياً يُرسّخ القيم، ويصنع العلاقة الإنسانية التي لا تستطيع أي تقنية أن تعوضها.
وفي هذا السياق، يُشدد المختصون على أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يُفهم كأداة مساعدة تحت إشراف المعلم وتوجيهه، لا بديلاً عنه. وهذا يعني ضرورة تأهيل المدرسين للتعامل مع هذه التقنيات الجديدة وفهم حدودها وإمكاناتها، حتى يتمكنوا من الاستفادة القصوى منها دون أن يتخلوا عن دورهم الإنساني والتربوي.
توظيف واعٍ أم انجراف أعمى؟
تبقى الإجابة عن سؤال التوظيف الأمثل للذكاء الاصطناعي في خدمة القراءة المدرسية رهينةً بجملة من الشروط، في مقدمتها وضوح الأهداف التربوية، وصرامة الإطار البيداغوجي الذي يُوجّه استخدام هذه الأدوات. كما أن انخراط الأسرة في هذا المسار يُشكّل عاملاً حاسماً، إذ لا يمكن فصل ما يجري داخل الفصل الدراسي عما يعيشه الطفل في محيطه الأسري.
وفي المحصلة، لا يمكن الحسم في جدوى الذكاء الاصطناعي التعليمي أو رفضه من منطلق مسبق، بل المطلوب هو التقييم المستمر والمنهجي لأثره الفعلي على مستوى الطفل ونمو ملكاته القرائية، مع الحرص الدائم على صون الهوية الإنسانية للفعل التربوي التي لا تُختزل في أي برنامج مهما بلغت تقنيته.
