الرئيسية سياسة دولية العدالة الانتقالية في اليمن: بين الأعراف القبلية والمسارات القانونية في مواجهة الانتهاكات

العدالة الانتقالية في اليمن: بين الأعراف القبلية والمسارات القانونية في مواجهة الانتهاكات

العدالة الانتقالية في اليمن: بين الأعراف القبلية والمسارات القانونية في مواجهة الانتهاكات

تُعدّ اليمن من أبرز النماذج في منطقة الشرق الأوسط على تشابك الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مع تعدد الأطراف المتورطة في النزاع، مما يجعل مسار العدالة الانتقالية فيها بالغ التعقيد. في هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري حول مدى قدرة الأعراف القبلية المحلية على استيعاب متطلبات العدالة الانتقالية، وما إذا كانت ترقى إلى مستوى الأطر القانونية الدولية المعيارية.

نزاع متعدد الأطراف وانتهاكات موثقة

عرفت اليمن منذ اندلاع نزاعها المسلح موجة واسعة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ارتكبتها أطراف متعددة تشمل جماعة الحوثيين والقوات الحكومية اليمنية وقوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فضلاً عن المجلس الانتقالي الجنوبي.

وتتنوع هذه الانتهاكات وتتشعب لتشمل القصف المباشر على التجمعات المدنية، والغارات الجوية العشوائية التي طالت مناطق بعيدة عن دائرة الاشتباكات العسكرية، إلى جانب زرع الألغام في مناطق سكنية وزراعية، وهي انتهاكات خلّفت آثاراً إنسانية كارثية على السكان المدنيين الذين وجدوا أنفسهم في قلب الصراع دون حماية كافية.

إشكالية العدالة الانتقالية في سياق يمني معقد

في ضوء هذا الواقع المأساوي، تطرح الدراسات المتخصصة تساؤلات عميقة حول المقاربة الأنسب لتحقيق العدالة الانتقالية في اليمن. ويتمحور النقاش الأكاديمي والحقوقي بشكل رئيسي حول ثنائية جوهرية: هل يمكن الاستناد إلى الموروث القبلي والأعراف المحلية الراسخة في المجتمع اليمني بوصفها ركيزةً لتسوية ملفات الانتهاكات وجبر الضرر؟ أم أن المسار القانوني الدولي يبقى الإطار الوحيد الكفيل بتوفير الحد الأدنى من العدالة للضحايا؟

وتستند هذه الإشكالية إلى حقيقة موضوعية مفادها أن القبيلة في اليمن تحتل مكانة محورية في تنظيم الحياة الاجتماعية وفض النزاعات، وأن آليات التحكيم العرفي والوساطة القبلية تمتلك شرعية شعبية راسخة، يصعب إغفالها عند بناء أي مسار للمصالحة والعدالة.

حدود الأعراف ومتطلبات المعايير الدولية

غير أن توظيف هذه الأعراف القبلية في سياق العدالة الانتقالية يصطدم بجملة من التحديات الجوهرية. فالآليات العرفية التقليدية قُصد بها في الغالب تسوية النزاعات بين الأفراد والجماعات، وليس معالجة انتهاكات ممنهجة ارتكبتها أطراف مسلحة ذات طابع منظم وتمويل خارجي. كما أن هذه الأعراف كثيراً ما تُركّز على التسوية والتعويض المادي، دون أن تُعالج بشكل كافٍ مسألتي المساءلة والكشف عن الحقيقة، اللتين تُشكّلان ركيزتين أساسيتين في منظومة العدالة الانتقالية وفق المعايير الأممية.

في المقابل، يواجه المسار القانوني الدولي بدوره عقبات عملية جسيمة، في مقدمتها غياب سلطة مركزية فاعلة قادرة على تطبيق القانون، وضعف الثقة الشعبية في المؤسسات القضائية التي تضررت بنيتها بفعل سنوات من النزاع المتواصل.

نحو مقاربة توفيقية

ويرى عدد من المتخصصين في ملفات العدالة الانتقالية أن المخرج الأمثل للحالة اليمنية لا يكمن في الاختيار بين النموذجين العرفي والقانوني، بل في إيجاد تكامل فعلي بينهما، يستفيد من شرعية الأعراف القبلية المحلية ومن رسوخها في الوجدان الاجتماعي، مع إدراجها ضمن إطار يلتزم بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويكفل للضحايا حقهم في معرفة الحقيقة والحصول على التعويض العادل ومنع تكرار الانتهاكات.

ويبقى النموذج اليمني بهذا المعنى حالةً اختبارية بالغة الأهمية لمدى قابلية الموروث الثقافي المحلي للتكيّف مع متطلبات العدالة الانتقالية في سياقات النزاعات المسلحة المعقدة.