أقدمت الحكومة المغربية على خطوة مؤسسية بارزة، بعد أن صادق مجلس الحكومة على مشروع القانون رقم 47.26 المتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط، الذي يرسم ملامح تحول جوهري في طبيعة هذه المؤسسة ودورها. بموجب هذا النص التشريعي، ستنتقل المندوبية من هيئة إدارية إلى مؤسسة للحكامة الجيدة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلالين الإداري والمالي، مع توسيع ملحوظ في صلاحياتها وأدوارها الاستراتيجية.
تحول مؤسسي من إدارة إلى هيئة مستقلة
يكشف مشروع القانون 47.26 أن المندوبية السامية للتخطيط ستتحول بشكل رسمي إلى هيئة للحكامة الجيدة، وهو توصيف قانوني يمنحها مكانة مؤسسية مختلفة عما كانت عليه في السابق. ويُعدّ منح الشخصية الاعتبارية لهذه الهيئة تحولاً نوعياً يجعل منها كياناً قائماً بذاته، قادراً على التصرف بصورة مستقلة في إطار مهامها وصلاحياتها المحددة.
ويُضاف إلى ذلك الاستقلال الإداري والمالي، الذي يتيح للمندوبية تسيير شؤونها الداخلية وتدبير مواردها بعيداً عن القيود البيروقراطية التي كانت تحكم عملها في السابق، مما يُفترض أن ينعكس إيجاباً على سرعة الاستجابة ودقة الإنجاز.
صلاحيات موسعة تتجاوز الإحصاء إلى رسم السياسات
لم يقتصر مشروع القانون على إعادة الهيكلة المؤسسية، بل تضمّن كذلك توسيعاً جوهرياً في اختصاصات المندوبية. فإضافة إلى المهام التقليدية التي اضطلعت بها هذه الهيئة في مجالي إنتاج الإحصاءات وإعداد الحسابات الوطنية، يمنحها النص الجديد صلاحيات التنسيق الاستراتيجي لسياسات التنمية وتتبع مساراتها وتقييم نتائجها.
ويُشكّل هذا التوسع في الأدوار منعطفاً مهماً، إذ تنتقل المندوبية من كونها جهازاً إحصائياً وتقنياً بالدرجة الأولى، إلى فاعل استراتيجي يُسهم في رصد مسيرة التنمية الوطنية وتقديم تقييمات دورية بشأنها.
آليات جديدة للتشاور وتبادل المعطيات
يتضمن مشروع القانون كذلك إرساء آليات مستحدثة للحكامة والتشاور وتبادل المعطيات بين مختلف المتدخلين، في خطوة تهدف إلى تعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بتنفيذ السياسات التنموية. ويُدرج النص هذه الإصلاحات في إطار متطلبات مواكبة تطبيق النموذج التنموي، الذي يُعدّ مرجعاً أساسياً للتوجهات التنموية الوطنية خلال المرحلة الراهنة.
وتأتي هذه الآليات لتعالج إشكاليات سبق أن رُصدت في تشتت المعطيات وضعف التنسيق بين الجهات المُنتجة للمعلومات والمعطيات الإحصائية، سواء على الصعيد المركزي أو الترابي.
مصادقة مجلس الحكومة خطوة أولى في المسار التشريعي
تجدر الإشارة إلى أن مصادقة مجلس الحكومة على هذا المشروع تمثّل المرحلة الأولى في المسار التشريعي لهذا النص، الذي سيتعين عليه اجتياز مراحل التشريع البرلمانية قبل أن يصبح قانوناً نافذاً. وعليه، فإن التحولات المؤسسية التي يتضمنها تظل رهينة باستكمال هذا المسار والمصادقة النهائية عليه.
ويُجمع المتتبعون على أن هذا المشروع يندرج في سياق مساعي الدولة لتحديث منظومة الحكامة وتقوية الأدوات المؤسسية الكفيلة بمتابعة تنفيذ السياسات العامة وتقييم أثرها الفعلي على مسار التنمية.
